أحب مصر إلى متى؟


في يوم واحد تعرضت لموقفين متتاليين أثارا بداخلي في البداية شعوراً رائعاً ولكن بعد لحظات من التأمل أصابني حزن عميق. بداية كنت أتابع أحد الأفلام السينمائية وكان البطل يردد عدداً من العبارات عن اعتزازه بانتمائه لمصر وباستعداده لبذل الغالي والنفيس للحفاظ على أمنها واستقرارها وهو مشهد صار يتكرر بكثرة على أرض الواقع منذ اندلاع الثورة. حقيقة لكثرة ما سمعت مثل هذه العبارات تتردد فإنني لم أعر كلامه اهتماماً يذكر. ولكن بعد ساعات قليلة دار نقاش ساخن بيني وبين بعض الزملاء حول موضوع ما, وانفعل أحدهم وتفوه ببعض العبارات التي ربما لا يليق بشخص وطني فعلاً أن يتفوه بها, ولكن ما لفت نظري حقاً هو الانفعال الرهيب لأحد الحاضرين رداً عليه, فقد كان على وشك الدخول معه في مشادة بالأيدي وختم الموقف بعبارة استغربتها عندما تأملتها. قال" إن حفنة من تراب مصر أغلى من حياة الملايين من البشر."

إن ما تعجبت له هو انفعالنا بالشعارات البراقة دون حتى أن نعي أو ندرك مدى دقتها. فما الفرق بين التراب في مصر والتراب في أي مكان آخر سواء هنا أو هناك. هل حب الوطن هو حب التراب؟ هل حب الوطن هو حب الجماد الذي لا ينطق؟ إن قيمة المكان هي قيمة أهله وساكنيه, اولئك الذين يبعثون الحياة في المكان. فما قيمة الصحراء المقفرة إذا لم تطلها يد العمران والبناء. في الحقيقة هو انفعال ظاهر وتعلق بشعارات بعضها صحيح وبعضها يفتقر إلى الدقة ويميل إلى صيغة التهويل والمبالغة، ثم بعد ذلك ينتهي الأمر.
هل حب الوطن هو ترديد للشعارات والتفاخر بها أم أنه عطاء يبذل لخدمتها؟ حتى متى نظل نردد "أحب مصر" ثم نعمل على تحقيق مصالحنا الشخصية، ضاربين عرض الحائط بمصلحة مصر وأهل مصر؟ حتى متى نظل نستمتع بمختلف أنواع الملذات وننصرف عن العمل الجاد لبناء مصر وخدمة أهلها؟ حتى متى نظل نرى الصواب ونتحاشاه لتحقيق مآربنا الشخصية؟ أين هو فعلاً حب مصر يا مرددي الشعارات؟ إن مرددي هذه الشعارات في أيامنا هذه للأسف لم يعدوا أن يكونوا إحدى فئتين: إحداهما ترددها أمام الآخرين من باب الضرورة وهي لا تؤمن بها أساساً، والأخرى أغلقت على هذه الشعارات في طيات قلوبها دون أن تترجم هذا الحب إلى واقع عملي.
إن حب الوطن يقتضي الاخلاص في العمل. إن حب الوطن يقتضي بذل الجهد والتعب من أجل الآخرين في هذا الوطن. إن حب الوطن يقتضي من الصغير قبل الكبير أن يبذل ما في وسعه ومقدرته من أجل أن يكون هذا الوطن أفضل. إن حب الوطن يقتضي من كل منا أياً كانت مهنته أن يتقن عمله ويؤديه في أحسن صورة وأن يقدم مصلحة هذا الوطن على مصلحته الشخصية وأطماعه. فإلى متى تظل هذه حالنا؟ عذراً لزميلي الذي تفوه بهذه العبارات فالأمر ليس شخصياً ولكني أخاطب ضمير كل مواطن مصري، فإلى متى سنظل نكتفي بكلمة "أحب مصر".
أحب مصر إلى متى؟ أحب مصر إلى متى؟ Reviewed by Ammar Moussa on 2:50 ص Rating: 5