كراتٌ تغلي


إن جميع أسباب المشاكل موجودة حولنا طوال الوقت؛ وحتى المشاكل الناتجة عنها نفسها موجودة في الغالب أيضاً معظم الوقت؛ لكننا لا نبدأ بالشعور بها، والانزعاج منها، إلا حين تشكل عقبة أمامنا لتحقيق هدف ما، أو أن تتسبب لنا بالآلام. حينها تبدأ بالتحرك نحو بؤرة الاهتمام في وعينا تحت ذلك الضغط، حتى تصل أحياناً إلى أن تتخطى موقع البؤرة لتصبح في موقع الاستحواذ الكامل، أو شبه الكامل على تفكيرنا في حالة أشبه بالهوس. وبحسب درجة ذلك الاستحواذ تكون درجة قلقنا وتوترنا وشعورنا بالأرق.

فلنتخيل العقل على أنه مساحة من الفراغ على شكل زاوية غير محددة النهاية؛ وفي رأس هذه الزاوية هناك مصدر إضاءة موجه إلى داخلها.. إن كل مشكلة يحتاج العقل إلى معالجتها تشكل كرة تقف في مكان ما داخل هذه المساحة، تمثل عملية تستهلك بعضاً من مواردنا وقدراتنا العقلية والعاطفية أيضاً.

إن رأس الزاوية يتسع لكرة واحدة، تكون هي مركز الاهتمام والتركيز الواعي لدينا، وتتعرض للإضاءة المباشرة التي تمثل قمة التركيز والوعي؛ وكلما ابتعد موقع أي كرة عن الإضاءة كلما قل تعرضها للضوء؛ حتى نصل بعد مسافة معينة إلى الكرات التي تقع في نهاية الضوء بين الوعي واللاوعي؛ ثم الكرات التي تغرق في الظلام في خلفية اللاوعي لدينا.

إن كل كرة لها حرارة معينة تعكس مقدار الطاقة العاطفية والفكرية التي تستهلك بداخلها، وينعكس ذلك على لونها.. فكلما كانت أكثر حرارة، كلما اكتسبت لوناً أكثر توهجاً. إن الكرات أو المشاكل التي تتلقى الضوء في منطقة الوعي تكون أكثر نشاطاً وحرارة؛ وكلما اقتربنا من مركز الزاوية زاد ذلك النشاط.

حين تنتهي المشكلة بشكل أو بآخر، يتم تدمير الكرة أو العملية، وتتحرر المساحة التي تشغلها داخل هذا الفراغ العقلي؛ وإلى أن يحدث ذلك.. تبقى العمليات نشطة داخل كل تلك الكرات بدرجة ما.. حتى تلك القابعة في الظلام.. وتتناسب درجة ذلك النشاط مع حجمها، ومدى اقترابها من الضوء، ومدى الطاقة العاطفية التي تستهلكها. وبحسب الظروف، وبحسب إراداتنا أيضاً، تتغير باستمرار مواقع الكرات؛ فتارة ندفع واحدة إلى الخلف، وتارة نسحب أخرى إلى الأمام. 

ولنضيق نطاق الحديث قليلاً إلى المدى الذي يهمك أكثر هنا، وهو المشاكل التي نعتبرها حقيقية؛ تلك المشاكل التي تسبب لنا القلق والتوتر، أو تؤرق منامنا حين نأوي إلى الفراش. فما يزعجنا دوماً هو تلك الكرات التي تصل إلى درجة الغليان.. فهي تستهلك طاقة عاطفية كبيرة؛ وكلما زاد حجمها، زاد معها الإزعاج..
المشاكل داخل العقل
كرات المشاكل داخل العقل
ولك أن تتخيل ما الذي يحدث حين تتعرض كرة تغلي وهي في الظلام، لمزيد من الحرارة الناتجة عن سقوط إضاءة الوعي عليها.. إنها تنصهر أحياناً ونفقد السيطرة عليها، وأحياناً أخرى تنفجر مسببة أضراراً بأحجام مختلفة في عقولنا ومشاعرنا.. ويحتاج ترميمها إلى جهود كبيرة ووقت طويل؛ وقد يحدث كل من الانصهار أو الانفجار في الظلام مسبباً مشاكل في اللاوعي، تترجم إلى أمراض نفسية. 

أما كابوسنا الأسوأ، فهو حين تقفز كرة ما تحت تأثير الضغط من مركز البؤرة في رأس الزاوية، لتزاحم مصدر الإضاءة ثم تحتويه؛ فحينها ينحصر الوعي في تلك المشكلة، مسبباً حالة من التسلط للفكرة، أو ما يسمى الاستحواذ والهوس بالموضوع؛ تاركة وراءها بقية الكرات جميعاً تغرق في شبه الظلام. حينها تزداد حرارة المشكلة بشكل سريع، وأكبر من قدرة آلية التبريد داخل عقولنا.. فيصبح الانصهار أو الانفجار أمراً مؤكداً إن لم نتدخل سريعاً لإعادة الكرة إلى مكانها الصحيح؛ ولولا أن هذه الكرات نصف شفافة لما تمكنا من التدخل، ولما خرجنا يوماً من تلك الحالة.
حالة استحواذ
حالة استحواذ 
إن صورة أخرى قد تصف تلك الحالة بشكل أبسط.. حين يتسلط تسلط برنامج أو تطبيق واحد فقط على جهاز الكمبيوتر أو جهاز الهاتف المحمول، بحيث يبقيه منشغلاً في مهمة واحدة، ويمنع كل البرامج الأخرى من العمل تماماً حتى لا نجد في بعض الأحيان حلاً.. سوى فصل الطاقة أو البطارية عن الجهاز لإيقافه تماماً.

أحياناً نقوم بحيل دفاعية سلبية للتخلص مؤقتاً من الاستحواذ؛ ندفع المشكلة إلى الخلفية من خلال التجاهل أو التناسي، بدلاً من مواجهتها واتخاذ قرار ما بشأنها.. فتظل تسبب في الخفاء المزيد من القلق والتوتر تحت السطح، والذي نشعر بآثاره دون أن نتمكن من الإمساك بأسبابه؛ ونظل ندور في حلقة مفرغة من التوتر، والقلق، والبحث عن المجهول إلى أن تغلي المشكلة فتنفجر فجأة، أو تقفز مجدداً رغماً عنا إلى طور الاستحواذ من جديد.

Ammar Moussa

https://drive.google.com/file/d/0B5zxZ0A1AI-XTEJ3S1oxaS1za2s/view

هذا المقال جزء من كتيب حياة بلا مشاكل
(24 صفحة)

كراتٌ تغلي كراتٌ تغلي Reviewed by Ammar Moussa on 1:53 م Rating: 5