السر باختصار.. إنها حياةٌ كالماء..


إن الحياة كالماء.. لا تستطيع أن تسيطر على أجزائها، ولكنك تستطيع أن توجهها.. جرب وألق بحجر في بحيرة راكدة من الماء وسترى الأمواج قد بدأت تعكر صفو سطح البحيرة.. حاول الآن أن تسيطر عليها وتعيد إليها صفاءها وهدوءها، حاول أن تمسك بها جزءاً تلو الآخر لتعيد إلي ذلك السطح السكينة.. لن تنجح في ذلك، بل ستزيدها حركة وتشتتاً وفوضى.. اتركها الآن لبعض الوقت وستهدأ من تلقاء نفسها، وتعود سيرتها الأولى..

حاول أن تنقلها جزءاً جزءاً إلى مكان آخر؛ كم من الوقت والجهد سيتستنفذ في ذلك؟ وكم من الماء ستفقده هدراً أثناء المحاولة؟ شق الآن قناة صغيرة بجوارها وسينساب الماء فيها بهدوء إلى حيث أردت، ودون أن تفقد منه شيئاً، أو يتعكر صفوه.. وحتى إن طفا الزَبَد على سطحه للحظات، فإن الماء سيعود ويهدأ في مستقره الجديد، دون أن يفقد رونق صفائه وهدوئه.. 

هكذا هي الحياة.. كلما حاولت أن تسيطر عليها، تفلتت منك أجزاؤها؛ ولكن قم بتوجيهها بهدوء وراقبها من بعيد وهي تسير كيفما تتمنى.. حاول أن تمسك بالفرشاة وتطلي الماء جزءاً تلو آخر؛ ستختلط الألوان وتفقد السيطرة عليها؛ ولكن ضع فيها بهدوء بضع قطرات من لون جديد.. وراقبها تتلون من نفسها. 

حاول أن تزيد من حرارتها بإشعالها.. لن تشتعل معك أبداً؛ ولكن أوقد من تحتها ناراً وانتظر، ستجدها تستجيب كما تريد.. انفخ فيها كي تبرد، وستنقطع أنفاسك قبل أن تبلغ مرادك؛ ولو وضعت فيها قطعة من الثلج لعادت إليها برودتها.. وأنت واقف تتأملها.. 

حاول أن تشكلها كالصلصال لتحصل على شكل فريد، إنك تعرف النتيجة بالتأكيد.. والآن هيّء لها إناءً مناسباً بالشكل الذي تريد، ودعها تنساب فيه بهدوء.. 

ابقها دوماً راكدة في إناء واحد، لا تتحرك ولا يتغير شكلها، فتبدأ بالأسون، وتنمو الطحالب على سطحها، وتنبعث منها الروائح الكريهة؛ ولكن دعها تجري وتنطلق حرة، فتتجدد وتتطهر، وتكتسب في كل لحظة شكلاً جديداً.. 

ازرع بذرة وأغرقها بذلك الماء، وستفسد البذرة قبل أن تنمو؛ ولو بذرت شجرة أحلامك وسقيتها كل يوم قطرات قليلة ثم انصرفت عنها، لنمت وأثمرت بما تشتهيه من الأحلام.. لاحظ أنني دوماً تحدثت عن الماء، ولم أقل بحيرة من الماء؛ فحياتك كالماء نفسه.. يمكن أن تقسمها على ما شئت من البحيرات المستقلة، توجه كل منها بشكل يختلف عن الآخر كما تشاء؛ ولكن في النهاية تربطها قناة واحدة هي أنت بكل ما تعنيه ذاتك ويعنيه وجودك.

ومن العجيب أن الماء أيضاً هو سر الحياة.. وأن من أخبرنا بذلك قبل أربعة عشر قرناً من الزمان[1]، هو نفسه من أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ليرشدنا بقوله "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتعود بطانا.." [2]، وليؤكد لنا في حكمة تغيب عن الكثيرين، خلف ستار التفسير اللفظي المشهور.. أن الأعمال بالنيات؛ فمع الصبر والتأني ينال المرء ما نواه وأراده[3].. إما عيناً كما أراده، وإما ثواباً كما قد تقتضيه الحكمة الإلهية.

إن الوقت المستهلك في التخطيط من الأفضل استهلاكه في العمل؛ عش حياتك بعفوية وتلقائية، ودع تدبير الغد للخالق. إن ذلك لا يعني أن التخطيط خطأ، بل يعني أن قليل منه يفي بالغرض وزيادة.. إنه ذلك القدر اليسير من التخطيط الذي يعطيك صورة عامة ومرنة عما تريد فعله وما تريد تحقيقه.

لنفرض أنك في رحلة طويلة بسيارتك بين مدينتين.. فهل يعقل أن تضيء لك مصابيح سيارتك كامل الطريق من أوله !! بالكاد سيضاء أمامك بضع مئات من الأمتار.. وتستمر تلك الإضاءة معك طالما تحركت على الطريق. إنك تحتاج قبل أن تنطلق لأن تعرف الهدف، وتعرف ما يتيسر من المعلومات عن الطريق، ونقاط الزاد والمؤونة؛ وأن تتأكد أن خزان الوقود به ما يكفيك؛ وأن مصابيح السيارة تعمل؛ وأن المركبة كلها بحالة إجمالية تسمح لها بخوض الرحلة.. وهنا انتهت الأسباب وانتهى معها التخطيط.. وما سيحدث بعد ذلك على الطريق، هو من ما سبق به علم الغيب، والقضاء، والقدر؛ والذي لن تغير فيه مهما فعلت..

احتفظ دوماً بنضج عقلك ومشاعرك كشخص راشد وكبير، ولكن في نفس الوقت لا تُفرِّط (أو استعد إن كنت قد سبق وفرَّطت فعلاً) في روح الطفولة والتلقائية التي بداخلك؛ فهذه الروح البريئة السعيدة هي التي ترسم أنقى الابتسامات على وجهك، وتغذي أنقى وأسمى أحلامك، وتنعكس إشعاعاتها بالإيجاب على كل من حولك.

إن البحث عن المشاكل له فوائده وأضراره أيضاً؛ فحين نبحث عن المشاكل المحتملة في المستقبل، لنبادرها بالحلول الاستباقية فإن ذلك شيء إيجابي، يضعنا في منطقة أفضل من مكعب الفعالية في استغلال الوقت، وهو الاهتمام بالمشاكل المهمة وغير العاجلة. ولكن الإفراط في ذلك قد ينقلب بك إلى حالة من الهوس والخوف من المستقبل، ومبالغة في الحذر والبحث عن مشاكله، بما قد يفسد عليك حياتك بحد ذاته.. ولذلك يجب أن تمتلك الحس الكافي لاستشعار متى يجب أن تبحث عن مشاكل المستقبل؟ ومتى يجب أن تتوقف عن ذلك وتسلم الأمور للقدر.. إنها مهارة أنت وحدك القادر على تطويرها وتنميتها مع الوقت، ودعمها بالكثير من روح التفاؤل، والثقة والإيمان بالنفس. 

إن التفاؤل هو الإيمان بأن الغد أفضل دون أن توقف ذلك على توقعات محددة.. إنها قناعة بأن القادم أفضل في مجمله، حتى وإن كانت هناك تفاصيل سيئة.. فهو تفاؤل مبني على حسن الظن بالله[4]، والتسليم والرضاء بقضائه، والثقة في كرمه؛ كما الثقة في ذاتك وقدرتك على تجاوز المحن. أما بناء ذلك التفاؤل على توقعات معينة، فهو عادة مصدر للخيبة والإحباط.. فكلما على سقف التوقعات، كلما علت معه الخيبة والإحباط لاحقاً؛ فنحن نشعر بالألم حين تخيب توقعاتنا. اجعل التفاؤل بأن الأفضل قادم عادة لك، دون أن تتوقع شيئاً ما بعينه أو تنتظره، وستفاجأ كم هو كريم ذلك القدر.

قانون التفاؤل
السعادة والنجاح يحتاجان لأعلى قدر ممكن من التفاؤل، وأقل قدر من التوقعات.

ï تفاءل بلا حدود، ولا تتوقع شيئاً.


Ammar Moussa

https://drive.google.com/file/d/0B5zxZ0A1AI-XV0xFVS1wMUdfMEE/view

هذا المقال جزء من كتيب الإدارة الفعالة للطاقة الذاتية
(48 صفحة)

----------------------------------------------------------------
[1] {وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ} القرآن الكريم - سورة الأنبياء – آية 30 
[2] حديث شريف رواه البغوي وابن حبان وابن كثير والألباني في مسنداتهم.
[3] "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمريء ما نوى" حديث شريف رواه البخاري والطبراني وأبو داوود وغيرهم بنفس المعنى.
[4] روي في الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم على لسان رب العالمين قوله : "أنا عند ظن عبدي بي.. فليظن بي ما يشاء.." – رواه كثيرون بنفس المعنى منهم البخاري والألباني والطبراني وابن حبان.. 
السر باختصار.. إنها حياةٌ كالماء.. السر باختصار.. إنها حياةٌ كالماء.. Reviewed by Ammar Moussa on 2:46 م Rating: 5