منحنى الاستحواذ


إن بعض المشاكل يمكن حلها وهي باردة، وأحيانا وهي غارقة في الظلام؛ ولكن مشاكل أخرى لا يمكن حلها إلى أن تصبح في مركز التركيز، ودعنا لا ننكر أن حالة الاستحواذ تلك تسرع إيجاد الحلول أحياناً حسب الظروف. بل إن الإبداعات التي غيرت وجه العالم، أتت معظمها من مثل حالات الهوس تلك؛ ولكن ذلك مشروط بأن نمتلك آلية ذكية ومتقدمة، تمكننا من استشعار الحدود المناسبة لبقاء المشكلة في منطقة الاستحواذ، بحيث نحركها فور استشعار تخطي حرارتها لتلك الحدود، ونعطيها فرصة كي تبرد قليلاً، وتنضج دون أن تحترق وتحرقنا معها.

إن القليل أو حتى كثير معقول من الشغف أو حتى الاستحواذ هو شيء مطلوب لحل بعض المشاكل؛ ولكن حداً معيناً يجب التوقف عنده بين الحين والآخر.. إنه الحد الذي ينقلب فيه الاهتمام بأمر ما، أو الشغف به إلى حالة الاستحواذ الكامل. إذ رغم الفائدة الجلية التي نحصل عليها من مثل هذا الاستحواذ، إلا أن له آثاراً جانبية خطيرة تتنوع ما بين آثار نفسية واجتماعية، بل وأحياناً مادية أيضاً. إننا نتحدث هنا تحديداً عن مرحلة ما بعد القمة؛ فبعد الوصول إلى حالة الاستحواذ نحتاج إلى أن ننفصل تماماً بشكل إرادي وذكي عن المشكلة برمتها، كي نستعيد التوازن في حياتنا من جميع نواحيها. فأثناء طريق الصعود نحو قمة الاستحواذ، نتطرف في مناطق بعينها من الفكر والمعرفة؛ ولكننا لا نستفيد بها فعلياً بشكل عميق حتى تحدث عملية الانفصال تلك؛ حيث نبدأ في النزول مرة أخرى إلى الحياة الطبيعية؛ ومع هذا النزول تحدث عملية تطوير وبناء روابط المعرفة داخل المنظومة الفكرية.. بحيث نتمكن من تحقيق التوازن الفكري والمنطقي بين الحصيلة المعرفية الجديدة، وبين تراكمات الخبرات السابقة لنخرج في النهاية بحلول للمشكلة، وخبرات معرفية عميقة جديدة.
منحنى الاستحواذ
منحنى الاستحواذ 
صحيحٌ أنه أحياناً تكون هناك استثناءات؛ حيث نصل إلى الحل المطلوب قبل حدوث الانفصال.. ولكن ذلك يظل استثناءً لا قاعدة، ويحدث عند توفر ظروف معينة، لا تخضع في الغالب لسيطرتنا. 

إننا نملأ خزان المعرفة لدينا بمادة جديدة طالما استمر صعودنا على منحنى الاستحواذ، ثم نبدأ باستهلاك ذلك المخزون في بناء الروابط المعرفية داخل المنظومة الفكرية لدينا في رحلة الهبوط. وحين يصل ذلك الخزان لحالة الامتلاء، فإن المزيد من المعرفة الذي سنحاول إضافته سوف يتدفق ببساطة إلى خارج الوعاء دون أن نستفيد منه.. ولابد لنا في هذه الحالة من تفريغ ذلك المخزون أولاً.. ولو بشكل جزئي من خلال عملية الهبوط تلك.

ولعل أشهر الأمثلة على ذلك هو القصة الشهيرة لأرخميدس[1]، الذي خرج عارياً يصيح "وجدتها.. وجدتها.." حين اكتشف قانون الطفو وهو يغتسل، بعد أن ظل مهووساً بالفكرة قبلها لمدة طويلة دون حلول.

إن البقاء في تلك القمة لفترة طويلة، نتيجته الحتمية هي الانهيار؛ فأعصابنا لها حد تتحمله من الضغط والطاقة الناتجة عن حالة الاستحواذ تلك. لكن الخروج من هذه الحالة لا يكون بمجرد دفع المشاكل إلى خلفية التفكير دون مواجهتها، او اتخاذ قرار ما بشأنها؛ وهو ما يحدث بالضبط حين نتجاهل المشكلة، ونتشاغل عنها دون اتخاذ قرارات واضحة ومحددة. 

فكل من التناسي، والهروب، والتجاهل، يدفع بتلك المشاكل لمنطقة الظلام حيث تظل تغلي هناك، ونحس بلفح لهيبها في الوعي دون أن نشعر بمصدر اللهب. وإن لم نفعل ذلك بالقوة الكافية.. فإننا نواجه وضعاً أسوأ.. حيث ندخل في صراع مع المشكلة لا من أجل حلها، بل صراع عنيف محوره دفع وجذب إلى الأمام وإلى الخلف.. لمجرد محاولة دفع المشكلة، وإبقائها في خلفية الاهتمام بعيداً عن منطقة الاستحواذ؛ وهو ما يولد مشكلة أخرى هي مشكلة الصراع مع المشكلة الأولى.. وتستمر الدوامة، وتستمر الصراعات مستنزفة طاقتنا خلال محاولتنا القيام بذلك. لن أنكر أنه أحياناً تُحَل المشكلة أثناء ذلك، ولكن الثمن باهظ.. خصوصاً حين تكون تلك هي طريقتنا في التعامل مع جميع المشاكل؛ صراعات دائمة !!

إن تحقيق الانفصال بعد الاستحواذ يتطلب أن يكون ذلك الدفع بهدوء وحزم ولكن دون عنف؛ ولتحقيق ذلك.. فإن المواجهة بدلاً من الهروب والتجاهل هي الحل. إن المواجهة لا تعني بالضرورة أن يتم حل المشكلة؛ المواجهة تعني دراسة الموقف، واتخاذ قرار واضح بشأنه، حتى وإن كان القرار هو أنه لا قرار.. إن البقاء حائراً دون تحديد أي موقف على الإطلاق هو ما يبقيك في حالة القلق والغليان.
 
حين تواجه مشكلة لا تملك رؤية محددة لكيفية التعامل معها في هذه اللحظة، أو تكون الاحتمالات والحلول متوقفة على عوامل خارج نطاق سيطرتك، أو على أحداث محتملة؛ فإن اتخاذ قرار واضح بعدم اتخاذ قرار الآن، وتأجيل البت في المشكلة إلى حين معين، يحقق ذلك الدفع الهادئ للمشكلة من منطقة الاستحواذ، إلى موقع أكثر أريحية دون أن يدفعها إلى الظلام؛ بشرط أن يكون ذلك القرار بانعدام القرار حازماً، وواضحاً، ومبنياً على أسباب منطقية تقود إلى ضرورة التأجيل لاستحالة أو صعوبة اتخاذ القرار حالياً.. لا أن يكون مجرد ذريعة هرب خوفاً من المواجهة مع المشكلة. 

إن ذلك الحين المعين قد يكون: زمناً ما (أول الشهر، أو بعد ساعة مثلاً)، أو بعد حدث ما (بعد أن يقوم الخصم بزيارتي على سبيل المثال)، أو بعد بذل مجهود ما (بعد الاتصال بالمدير)، أو توفر موارد معينة سواء كانت معرفة ما (إلى أن تكتمل لدي المعلومات عن المنافسين) أو كانت موارد مادية (إلى أن أقبض مستحقاتي المالية)

وهناك أيضاً حالات يكون الهرب المؤقت فيها مشروعاً لأسباب منطقية واضحة، لا لمجرد الهرب بحد ذاته.. فأحيانا يكون من الصواب الهرب لعدم توفر الموارد الصحية (إلى أن أحصل على قسط كافٍ من الراحة، يؤهلني للتفكير الواضح)، أو الموارد النفسية (إلى أن يهدأ شعوري بالغضب مثلاً)، أو الموارد الزمنية (إلى أن أفرغ من مشاكل أخرى أكثر إلحاحاً وأهمية)

ولكن في مثل هذه الحالات، فإنه من المهم تحديد الأجل الذي تنقضي بمروره صلاحية قرار الهروب، بحيث يجب إعادة النظر فيه من جديد؛ كما يجب تجنب الذرائع والحجج، وأن تكون واضحاً مع نفسك بأن القرار هو الهروب. فالهرب هنا هو انسحاب تكتيكي، وليس فِراراً مخزياً؛ فلا غضاضة في اعتباره سبباً وجيهاً بحد ذاته.

ولكن.. أحياناً يكون لدينا أسباب منطقية تدفعنا للقناعة بأن المشكلة قد تحل من تلقاء نفسها دون تدخل منا؛ وأن الحل هو الهروب حتى يحدث ذلك؛ والواقع أن ذلك صحيح في أحيان قليلة؛ ولكن الحذر واجب.. إذ يجب أن يظل أسلوب الهرب بانتظار الفرج استثناءً يدعمه المنطق أحياناً، لا قاعدة يُستهل بها. 

وأحياناً أخرى قد يكون سبب قرار الهرب المؤقت ببساطة: أنه أصبح واضحاً دون شك أننا قد بذلنا كل ما نستطيع حالياً، وأن الحلول غير ممكنة ضمن طاقتنا؛ وأنه قد فرغت من بين أيدينا الوسائل والأسباب، وما عاد لنا إلا انتظار الفرج من عند رب العالمين. وهناك حالات يكون من الواضح فيها أنه لم يعد لنا من بذل الجهد واتخاذ الأسباب سوى تقبل المصير، والحمد والشكر والرضاء والتسليم بالقدر؛ وربما انتظار ما نظنه المعجزات.. وهنا فإن فطنتك، وحكمتك، وإيمانك، وغريزتك، هم وحدهم من يمكن لهم أن يساعدوك لتقرر: هل آن الأوان أم لا..؟

فأحياناً تظل تضيق الحلقات حول أعناقنا كثيراً.. حتى تنفلق وتنكسر من شدة ضيقها.. وفي ذلك يقول الإمام الشافعي[2]:
ولرب نازلة يضـيق بهـا الفتـى.. ذرعــاً، وعند الله منها المخرجُ..
ضاقت، فلما استحكمَت حلقاتُها.. فُرِجَتْ، وكـنتُ أظنُّهـا لا تُفـرَجُ..

Ammar Moussa

https://drive.google.com/file/d/0B5zxZ0A1AI-XTEJ3S1oxaS1za2s/view

هذا المقال جزء من كتيب حياة بلا مشاكل
(24 صفحة)
------------------------------------------------------------------
[1] أرخميدس (287 ق.م. –212 ق.م.) عالم طبيعة ورياضيات، وفيزيائي وفلكي يوناني. يعتبر أحد كبار العلماء في العصور القديمة. ولد وعاش وقتل في مدينة سرقوسة بإيطاليا. 
[2] أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ القرشيّ (150-204هـ / 767-820م) صاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وإمام في التفسير والحديث، كان قاضياً عُرف بالعدل والذكاء 
منحنى الاستحواذ منحنى الاستحواذ Reviewed by Ammar Moussa on 3:53 م Rating: 5