عن حرية الإبداع


على يسار الشاشة تجمعوا يهتفون.. لا تقيدوا حرية الإبداع، حافظوا على حرية الإبداع.. حرية الإبداع حق مقدس.. وعلى يمين السادة المشاهدين تجمع الأخرون يعلوا صراخهم، إنهم يدمرون المجتمع، إنهم يقودون نحو الإنحلال، إنهم لا يحترمون المقدسات، إنهم يزدرون الأديان.. وفي المقصورة الرئيسية وقفت حائراً بينهما، فأنا ضيف على هذه المعركة الجماهيرية، وقفت أتساءل عن مفهوم حرية الإبداع، لم أجد في نعيق هؤلاء، أو صراخ أولئك إجابة شافية...

دعني أتوسع بأفكاري من مجرد الحديث عن الإبداع الفكري والفني، إلى الحديث عن الإبداع ككل، في كل مجال.. لعلنا نرى صورة أوسع، لعلنا نجد إجابة شافية..
سؤال بديهي يطرح نفسه، ماذا تعني كلمة الإبداع؟ أوليست الابتكار والايجاد على غير صورة سابقة، سواء في الطريقة أو في المحصلة والناتج.. أليس كل ما حقق ذلك فهو إبداع..
حين ألف موزارت مقطوعاته الموسيقية كان مبدعاً، وحين وضع أينشتاين النظرية النسبية كان مبدعاً، وحين أنهت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية في شرق آسيا بالسلاح النووي كانت مبدعة، وحين اخترع كارل بنز محرك الاحتراق الداخلي كان مبدعاً، وحين أخرج الشيطان أبانا آدم من الجنة كان مبدعاً..  
إن كلمة الإبداع محايدة بين الخير والشر.. ولذا فإن الحديث عن حرية الإبداع مطلقاً فيه تناقض خطير مع دعاوي السعي نحو الخير والفضيلة التي ترافق ذلك الحديث شعاراتها.. وفي نفس الوقت فإن الحديث أو التحريض على كبته يحمل نفس التناقض.. ففي الحالة الأولى نحن نسمح لكل ضار في كل مجال، وفي الثانية نحن نحرم المجتمع والإنسانية من كل جديد مفيد في كل مجال.. 
ولكن تبقى المشكلة الحقيقة في الإجابة عن الآلية التي يجب أن يحاكم بها الإبداع، وعن هوية من يحق له اصدار الحكم والقرار.
أهم المتشددون من كل اتجاه، أم المتفلتون المتجردون من كل قيم إلا منافع والمصالح والملذات الشخصية  من كل اتجاه ايضاً.. فإن قلنا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فسيبقى السؤال مطروحاً.. فمن إذن يمتلك ذلك الحق..
إن الضمير وحده هو الحكم العادل في ذلك، بدءاً من ضمير المبدع إلى ضمير القائمين على الحفاظ على المجتمع من أهل السياسة والفكر والدين والقانون.. ولكن تبقى المشكلة أن هؤلاء جميعاً لا يمكن أن يجمعهم مفهوم مشترك واحد لما هو مقبول وما هو غير ذلك.. فباختلاف اتجاهاتهم الفكرية، ونشأتهم الثقافية والتربوية والدينية فإن تقديراتهم تختلف.. ونعود لندور في تلك الحلقة المفرغة، ويظل السؤال قائماً كيف نتعامل مع حرية الإبداع.. 
يقودنا هذا إلى أنه ليس ثمة حل ضمن إطار القانون بفهومه الشامل، إن حل هذه المعضلة يحتاج حلاً أخر مبدعاً في حد ذاته بعيداً عن فكرة القانون.. 
من حيث المبدأ فحرية الرأي والإبداع مكفولة كحق أساسي من حقوق الإنسان، كفلها الإسلام وكفلتها من بعده لاحقاً مواثيق حقوق الإنسان العالمية، لكن المشكلة الحقيقة هي أن انتشار الإبداع والآثار التي يخلفها على المجتمع صار قضية خاضعة بالكلية لرأس المال والمصالح والأهواء. وواقع الحال أن كل هذه تشجع كل أنواع الإبداع الفاسد في أصله، أو في تطبيقه، وتحرم الإبداع الطيب من الزاد والمؤونة حتى يجف ويذبل، فتراه منزوياً لا لون له يلفت الأنظار، ولا رائحة تهفو القلوب إليها.. 
صار نموذج الإبداع المدعوم اجتماعياً وسياسياً والأهم المدعوم مادياً في كل مجال هو ذلك الذي يحقق أعلى مردود مالي بغض النظرعن الجودة، أو ذلك الذي يدعم توجهات هذه الفئة السياسية أو تلك ممن بيدهم مقاليد الأمور.. وانظر في حال الفن والإعلام مثلاً وقد صار وسيلة لا هم لها إلا الترويج إما لخطابات الفاشية الدينية أو السياسية، أو الترويج للفساد الأخلاقي والإنحلال الخلقي تحت شعارات مضللة عن الحرية. وانظر في حال التكنولوجيا اليوم، سخرها الله للإنسان فكان أغلب استخدامه لها في كل هزيل سطحي لا يسمن ولا يغني من جوع، أو في استعباد الأمم وإخضاعها للظلم بالسلاح المادي أو الاقتصادي أو المعنوي.. وانظر.. وانظر وانظر.. أينما قلبت النظر حولك اليوم تجد الأمثلة الصارخة عن سوء استخدام الإبداع في كل مجال..
إن الحرية الحقيقية للإبداع ليست منوطة بتحريره من القوانين فقط، فتلك خطوة شأنها يسير إذا ما قورن بالحرية الحقيقة المطلوبة للإبداع، وهي تحريره من سيطرة رأس المال والسياسة وأهواء ذوي النفوذ. والسؤال هل هناك من يجروء اليوم على رفع صوته مطالباً بهذه الحرية الحقيقة للإبداع، أم أن حرية الإبداع غدت مجرد شعار آخر جديد لم يستهلك بعد بالكلية لتحقيق مزيد من النفوذ في عالم ما أكثر ما يمتلئ أثيره بالصراخ بالشعارات، وما أٌقل ما نرى في أرضه لها من أثر.

Ammar Moussa


عن حرية الإبداع عن حرية الإبداع Reviewed by Ammar Moussa on 2:06 ص Rating: 5