أيها المتمرد مهلاً


نشأت مكبوتاً تتلقى الأوامر من والديك وكل كبير في عائلتك.. في مدرستك.. في مجتمعك.. حتى جاءت لحظة قررت فيها أن تكون حراً.. متمرداً .. لا سلطان لأحد عليك.. فقمت بثورتك الصغيرة.. ثورتك أنت من أجل نفسك وحريتك.. تمردت على والديك ومدرستك ومجتمعك، تمردت على التقاليد والأعراف، وحتى الدين لم يسلم من تمردك بحثاً عن نسيم الحرية المفقودة.
أنت معذور، فالحرية كالهواء والماء والشراب، لا تستقيم الحياة بدونها، ولكن مهلاً.. هل خطر ببالك لحظة أن هناك نقطة يجب أن يتوقف عندها هذا التمرد، وتبدأ منها رحلة البناء.. نحن لم نخلق من أجل التمرد فقط.. والحرية لا تكمن قيمتها في وجودها، بل في الطريقة التي توظف بها وتستغل.. 
التمرد هو الجزء الأول من الرحلة، أن تهدم كل الأطواق التي تقيد حريتك المادية أو الفكرية أو المعنوية، ولكن ماذا بعد ذلك؟ 
إن من الأعراض الجانبية للتمرد أنه كالمخدرات، قابل للإدمان، يصبح عادة، وتصبح أنت متمرداً فقط من أجل التمرد، فقد صار يسري في دمك، صرت تنتقد كل شيء، وترفض أي شيء، مادام سيفرض عليك أي نوع من القيود.. وستظل مجرد فم يتكلم ويتمرد ويقاتل ويتشاجر طوال الوقت، ولكنك لن تفعل حقاً شيئاً مفيداً حتى تقرر أن تبدأ الجزء الثاني من رحلتك.. أن تتمرد على التمرد ذاته.. وتختار بنفسك القيود التي ستحكم بها نفسك، قيود لن تختارها مجبراً، ولكنك ستختارها عن قناعة لأنها ستحدد لك ملامح الطريق لاحقاً حتى تصل إلى النجاح.
إن فكرة التمرد حتى النهاية والتي سوقتها لنا وسائل الإعلام فكرة مدمرة، لأن التمرد بطبعه هو عملية هادمة، لها فوائدها حين تستغل بالشكل المناسب في الوقت المناسب، ولكن شأنها شأن أي شيء آخر إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، حتى تصل إلى تدمير ذاتك في بعض الحالات، أو إلى الانحطاط إلى اللا شيء.. إلى اللانظام.. إلى الفوضى.. وتستمر معها شكواك وعقدة الإضطهاد.. فأنت من وجهة نظرك مضطهد دائماً ولابد أن تستمر في التمرد على هذا الإضطهاد.. ثم .. شكراً.. لا شيء آخر ستفعله سوى الاستمرار في الصياح والاستنكار تحت لواء التمرد، بحثاً عن حرية لن تجدها.. نعم لن تجدها.. لأنك لم تفهم بعد أن قمة الحرية هي التحرر من الحرية ذاتها..
أنت غاضب طوال الوقت، تحس بالعجز فلا تملك إلا المزيد من التمرد عساه يحررك من قيود غضبك.. والحقيقة يا صاحبي أن ما يغضبك ليس قيودك، بل هو عجزك المستمر عن السيطرة على الآخرين حولك؛ ربما تكون شخصية قيادية توجه الآخرين من حولها، ولكنك في النهاية لا تسيطر على الجميع، وحتى ألئك الذين يخضعون لنفوذك فإنك لا تسيطر عليهم بشكل كلي في كل شيء، وتظل غاضباً لأنك لا تسيطر على الجميع، لا تسيطر على الحياة.. لأن الحياة لا ولن تسير على هواك دائماً، والذي هو في حد ذاته متقلب، وفي الغالب أنك لم تتعلم أيضاً كيف تسيطر عليه، فصار هو من يسيطر عليك..
نعم يا صديقي.. إن التمرد إدمان كسائر أنواع الأدوية التي يصفها الأطباء النفسيون، له مقدار مفيد ولكن المبالغة والإفراط في استخدامه يجعلك تدمنه فلا تطيق العيش بدونه، وحينها يحين وقت الدخول إلى مصحة العلاج من الإدمان..
لن أرفع لك شعار لا للتمرد كما يقال لا للمخدرات.. ولكن سأخبرك أن التمرد هو السلاح الذي تستخدمه وقت حربك وتبقيه معداً مصوناً حال السلم، وعلاجك الحقيقي هو أن تتعلم وتكتشف بنفسك متى هو الوقت لحربك مع محيطك، ومتى هو وقت السلم والتنمية والبناء لذاتك ولمن حولك أيضاً.. فليس كل شيء يجب التمرد عليه، وضميرك وحده إذا سمحت له بالحديث هو الذي سيرشدك إلى تمييز ما يجب التمرد عليها فعلاً، فاستمع له فصوته واضح أرعيت سمعك له. 
دع عنك ما يقوله هؤلاء وهؤلاء من أهل اليمين وأهل اليسار، فليس منهم من يستطيع أن يقول لك بوضوح وتحديد ما الذي يجب أن تتمرد عليه وما الذي لا يجب.. فأغلبهم إما أنهم متمردون مثلك وإن بلغوا من العمر عتياً، وإما خاضعون مستسلمون لا يرون في أي تمرد إلا سوء خلق وجهالة.. "استفت قلبك وإن افتوك وإن أفتوك وإن افتوك"[1].. ولكن حذار أن تخلط بين قلبك وضميرك من جهة، وبين صوت نفسك الأمارة بالسوء من جهة أخرى، فإن نبرة صوتهما متشابهتان، ولكنك لو تأملت للحظات في كلا الصوتين فإنك لن تخطأ أبداً في معرفة أيهما هو صوت ضميرك، لأنه وإن كان خافتاً يسهل التشويش عليه، إلا أنه واضح ذو نغمة مميزة يمكن تقليدها، ولكن لا يمكن مطابقتها أبداً..


Ammar Moussa


-----------------------------------------------------------------
[1] حديث صحيح رواه الألباني والشوكاني وابن حجر بمتون متشابهة
أيها المتمرد مهلاً أيها المتمرد مهلاً Reviewed by Ammar Moussa on 12:35 م Rating: 5